قال أحد أبنائي :
_ يا أبي أحب ، حبيبتي بلون القمر ، عيناها زرقاوان بلون السماء ، وفمُها مرسومٌ كأنه تاجُ المُلْكِ ، وخدودها بركانٌ ثائر ، أنفُها يهبط فيكمل صورة الأميرة …
نعم يا أبي هي الأميرة ، كنت أظن أن من تهزمني يا أبي لابد وأن تكون أميرة ، هكذا قالت لي أمي عندما وعيت لنفسي لقد بشرتني بك في المنام امرأةٌ ترتدي الملابس البيضاء ، قالت لي سيرزقُكِ الله بجوهرةٍ وها أنا أنجبك .. وأصبحت شاعراً يا أبي أبكي للقمر ، وأقف مشدوها أمام البحر ..
قلت لنفسي إنني مملكةٌ لا تدخلها إلا أميرة ، إنني الأميرُ المعتمد الأندلسي ، أو حتى وزيره الطموح ابن عمار ..
لست أدري لماذا تشدني منال هكذا يا أبي ، إنها تبعث في نفسي ذكريات كثيرة ، وتأخذني معها إلى حيث تهزمني
تجعلني تماماً كالعصفور المحبوس ، لم أعهد في نفسي هذا الضعف يا أبي ، لم أكن في أي يومٍ من الأيام ضعيفاً ، إذا كان الدمعُ تعبيراً عن العواطف الجياشة فأنني أعتبره ضعفاً ، وإلا لماذا لم أبكِ على واحدةٍ ممن أقمن معهن علاقةً قبل أن تأسرني هي يا أبي ؟؟ . قرأتُ لشاعر النيل : ودمع العين مقياسُ الشعور وبكيت مع أنات فيرلين في سجنه :
Je pleur dans mon Coeur..
Comme il pleut sur la ville
Quelle est cette langueur
Q p enetre mon Coeur
الدموع لا تفارقني يا أبي ، بها أقضي الليل ، وبها أتعجل يوم لقائنا ، حتى حين نلتقي أراني أبكي .. وأبصر عينيها هي أيضا وقد شارفتا على البكاء ..
قال أحد أصدقائي : البنت تبحث عن زوج لا حبيب ، والرجل يفكر في قضاء حاجته فيمن يحبها .. ثم قال مازحاً : هوقيس اتجنن من شوية ؟
وقال فرويد الجنس غريزة وعلى أساس نظرية الجنس قام بتفسير الأشياء والظواهر .. وغنى عبد الوهاب بنص حسين السيد وعشق الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني
قال النهرُ : المتناقضات تزحف على الإحساس ، حتى الإحساس لم تهمله المتناقضات .. هل تصف لي يا ولدي شعورك وأنت تجالس حبيبتكَ ؟؟
_ لست أدري يا أبي لماذا كنت أردد في نفسي شعر بن الفارض وكأنه النشيج يتصاعد :
هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوى سهلُ
وما اختاره مضناً به وله عقلُ
فـعـش خالياً فالحـب راحـتُه عنا
وأولُـه سُـقمٌ وآخرُه قتلُ
كنت أطيل النظر إلى عينيها ، أُكثر من الجدال معها ، لم أحاول يوما يا أبي النظر إلى أردافها أو ثدييها ، أو حتى لمح شفتيها المكتنزة ، كان استئناسي بها استئناساً روحياً لا احتفاءً جسدياً … أحادثها عن طموحي أن أصبح أستاذاً جامعياً ، شاعرا كبيراً خالداً ، إنساناً مرموقاً .. أن أصبح إليوت ، شوقي فيرلين ، بوشكين ، الكواكبي ، ابن عربي .
أن أكون يوربيدوس ، الشاطر حسن ، خالد بن الوليد ، المتنبي ، أبا فراس الحمداني …. أن يجمعنا الحب …
قلت لها سأتحدى بك الزمان والمكان .. حبُك سيهبني قوتي الرادعة وفكري المستنير .. سأفتح بك أقفال التاريخ لا لأعيده وإنما لأقارنه بإنجازاتي ومددت إليها يدي يا أبي لتعاهدني ، كانت تظنني أبغي الملامسة وتحسس يديها خلسة .
قلت : ألا لعنة الله على فرويد ، هل يتبدل الحب إلى خشية ؟ أتصبح سياسة قلب المائدة هي كل شيء ؟ الهرم يقف على رأسه لا على قاعدته ؟ حتى فكرة راهب الفكر وفتاته تغيرت في الرباط المقدس فلماذا أنا ؟
الصوفيون يؤمنون أن الحب يفتح أبوابا عدة للولوج ، أما حبيبتي فكانت تؤمن أن للحب طريقا واحدا فقط هو الزواج .. الإخلاص للزوج وحده ، الحب خطأ ، والعاطفة حرام .. الشرعية مع الزواج فقط هكذا كانت أفكارها التي تربت ونشأت في ظلالها ..
قال النهرُ : وكأنك عثرت على إبرة في كوم قشٍ ، الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم صدق الله العظيم
لقد استحالت الأمنية جوهرة بين يديك ، إنها نفحةٌ من أمك القرية ، رسالة وصك غفران ، إنها عروسُ نيلٍ ، الأميرة ذات الهمة .. رفيف ملائكي اختصك الله به ، هل تقبض على الماء ؟ أم تلحم يديك في هذه الجوهرة الهدية ؟
_ كان أمامي لأنجز طلبها زمنٌ ممتد .. إنني حاصلٌ على الماجستير يا أبي ولا زلت عاطلاً ، تقديراتي الجامعية عالية جداً .. بمقاييس التفوق كنت جديرا بأشياء كثيرة ، العمل بالجامعة والالتحاق بوظيفة مرموقة ، الاهتمام بنبوغي ومساندة طموحي ، استغلال فكري وعقلي !!
إن شيئاً من ذلك لم يحدث يا أبي ، إنني في الشارع أخفي كمدي ، زملائي أصبحوا (شيوخ منصر) ، إنهم يسرقون أموال السارقين ، إنها بداية الجريمة المنظمة حين تتحول العقول الجامعية إلى عقول إجرامية ، الإرهاب تصنعه هذه العقول يا أبي .. إنه الفجوة بين الحلم وبين سبل تحقيقه .. بين الفعل وبين رد الفعل .. سياسة اللاسياسة .. والتخبط الاستعماري المرير … هذا توارث الخلافة عن أبيه ، وذاك توارث البطالة عن عائلته .. فجوة سحيقة يا أبي .
هل تجمعني بحبيبتي (عشة) ؟؟ أم نظل في علاقة رسمية وننفصل ؟؟ .. هل نشبع عاطفتنا أم يقتلنا الحلمُ ؟؟ خيوط واهنة يا أبي وخواء أبدي ..
لابد من تحطيم سجن الباستيل ، لابد من تأديب مماليك القلعة …… لابد من الحب
شيء غريب أن يجتمع الحب والعنف ، لكنها معادلة صعبة جدا يا أبي . إنها لغز مبهم فمن يحب هذه القرية لابد وأن يستخدم العنف مع أهلها .. يلزمنا كرباجُ محبٍ … يلزمنا كرومويل جديد ليعلمنا كيف علم الجمهورية الانجليزية النظام والحب والصدق والتقدم ؟؟
تسألن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ